السيد عباس علي الموسوي
388
شرح نهج البلاغة
فإن العاقل إذا تحرك عقله توجه نحو الخير والهدى وإذا انتبه علم أن الدنيا فانية زائلة فبحث عن البقاء والخلود ولن يجد ذلك إلا في رحاب اللّه وطاعته فإن عاقبته جنة خالدا فيها أبدا . . . ( فإن اللّه سبحانه لم يخلقكم عبثا ولم يترككم سدى ) إن اللّه لم يخلق هذا الإنسان للهو واللعب والأمور الباطلة بل خلقه من أجل هدف عظيم كبير وهو تكامله وصلاحه وقد استنكر اللّه هذه المقولة بقوله : ( 1 ) أَ فَحَسِبْتُمْ أَنَّما خَلَقْناكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنا لا تُرْجَعُونَ . . . كما إنه لم يتركنا بدون تكليف في الدنيا بل أرسل إلينا الرسل وأنزل الكتب وبيّن لنا ما هو المطلوب منا وما هو الواجب علينا ، إنه سبحانه كلفنا بتكاليف والتكليف تشريف حيث أخرجنا به من زاوية الحيوانات إلى كرامة الإنسان وشرفه . . . ( وما بين أحدكم وبين الجنة أو النار إلا الموت أن ينزل به وإن غاية تنقصها اللحظة وتهدمها الساعة لجديرة بقصر المدة ) كل واحد منا يتحدد مصيره بعد عبور هذا الحاجز المعبر عنه بالموت فإن هذه المحطة تحتوي على بابين باب إلى الجنة والآخر إلى النار فما بين المطيع للهّ والعامل بأمره إلا أن يقطع هذا الجسر المعبر عنه بالموت حتى يدخل إلى جنة النعيم وما بين العاصي والنار إلا أن يقطع نفس هذا الجسر ليدخل عذاب السعير . . . ثم نبه إلى قصر عمر الإنسان في الدنيا وإن الحياة هي أنفاس المرء ولحظاته كناية عن سرعة أيام الإنسان في الدنيا وعدم استقراره بها وبالنهاية تهدمه ساعات الموت ومن كانت حياته بهذه السرعة من الانقضاء والزوال يجب أن يتنبه لها ويستعد لما بعدها . . . ( وإن غائبا يحدوه الجديدان : الليل والنهار لحري بسرعة الأوبة ) وإن الموت الذي هو غائب عنا يسوقه إلينا الليل والنهار فكلما مضى ليل أو نهار قرب الموت منا وهكذا وما أسرع ما يصلان به إلينا ، إنه سيعود إلينا بسرعة الليل والنهار . . . ( وإن قادما يقدم بالفوز أو الشقوة لمستحق لأفضل العدة ) باعتبار أن الموت عندما يقدم علينا ويحل بنا سوف يحمل معه أحد أمرين إما الفوز بالجنة أو الشقاء بالنار فمثل هذا القادم علينا يحتاج إلى استعداد له وإعداد بأشد ما يكون الاستعداد والإعداد وأفضل عدة هي الإيمان والعمل الصالح وحسن الظن باللهّ . . . ( فتزودوا في الدنيا من الدنيا ما تحرزون به أنفسكم غدا ) أمر عليه السلام أن يتزود
--> ( 1 ) سورة المؤمنون ، آية : 115 .